1388

 

 
 

 ..

 

لا أدري كيف أبدأ ومن أين أنطـلق ..

 

الحـديث عـن المـاضـي لـه شـجون .. كمـا أن للحـاضـر عـيون .. تتطـلع إلى مسـتقـبل يكون أو لا يكـون ..

ذكـرياتي مع أيام الحج تمـتد إلى أربعـين عـاماً مضـت .. هـذا ما تدركـه ذاكـرة قد عـلاها الصـدأ .

وسـوف أجعل حديثي للفترة من عـام 1380هـ وحتى 1390هـ .. لأن مـِن بعـدهـا بدأت مراحـل التغـيير والبدء بخـطـوات الانتقـال إلى ما وصـل إليه حـال الحج والـحـجـاج ومن هو قـائمٌ على شـئونهم ..

أيام المواسـم الدينيّـة في مكـة كانت لهـا خصـوصـيّـات محـدودة وأيام معـدودة ..

 

أهمهـا :

الرجـبيّة ويبدأ الاسـتعدادُ لهـا من غـرة شهر رجـب .. يتأهّـب عـددٌ من أهلُ مكـة بتجهـيز دوابهم وأمتعـتهم للإنطـلاق مع الركـب المكـي إلى المدينة المنوّرة ويزور أهل مكـة مسـجد الرسول والسـلام على النبي صلى اللّهُ عليه وسـلّم .. ليصـادف ذلك ذكـرى المعراج المبارك ، فيمتلئ المسـجد بالزوّار في أوقـات مباركـة طـيبة .. ثم يعـودُ الـركـبٍ إلى دياره المباركة ، ويكـون وصـوله في شـهر شـعبان ..

وكـذلك الحـال بالمسـجد الحـرام الذي يأتيه المعـتمرون لأداء عـمرة في رجـب ويحـتفلون مع المسـلمين بذكـرى المعـراج الطيبة حيث تمتلئ أروقـة وصـحن المسجد الحرام بالدروس والمواعظ ليعـيش النـاس ذكـرى مـباركـة .. سـبحـان مـن ذكَـرَهـا في كـتابه الكـريم ..

رمضــان و هـو أكـبر المواسـم الدينيّة بعـد موسـم الحج .. و حـيثُ أن أهـل مكـة قـد إشـتهروا على مر السـنين بتفـانيهم وتفاخـرهم بخـدمة الحجـاج والمعـتمرين .. ويعـتمدون بعد اللّه على شرف هـذا العمل الذي هـو أكـبر مصـدر رزق كالغـيث الذي ينزل من السـماء فيصِـلُ خـيره كل من أصـابه ..

وهو الموسـم العظيم الذي يحـسـب له أهل مكـة كل حـســاب ..

وما إن يهـل شـهرُ رمضـان المبارك على مكـة إلاّ وتبدأ وفود ضـيوف البيت العـتيق بالوصـول إلى مكـة ليكونوا هم طـلائع الحجـاج .. لأن معظم الواصـلين من المعتمرين ( إن لم يكن كلّهم ) يواصـلون البقـاء من وقت وصولهم في شهر رمضـان إلى وقت الحج .. وذلك لأن فرصـة الوصول إلى مكـة هي أمرٌ صـعب المنال لأكـثر المسـلمين في ذلك الزمـان لمحـدوديّة وسـائل المواصـلات وزيادة مشقـة السفر ..

ومن التنظيمـات والبروتوكولات التي كانت سـارية في ذلك الزمن ( و لا يزال هناك بعض منها حتى الآن ولكن ناله بعض التطوير ) من تلك البروتوكولات أن كان الحجـاج يأتون في حملات معـينة .. والحملة يتم إعـدادهـا من البلد القـادم منه الحجـاج .. ( هناك حجـاج الهـند .. وحجـاج جـاوة .. وحجـاج ماليزيا .. وحجـاج تركـيا .. وحجـاج إيران ( العجم) .. وحجـاج الشـام .. وحجـاج مصـر .. الخ ) .. وكـان لكـل جـنسـيّة من الحجـاج مطوّفيهم الخـاصـين بهـم .. ومن المتعـارف عـليه أن هـناك من يسـمى بالحـمـلـداري أو كما يُطلق عليه البعض حملة دار (مـسـئول الحملة) .. وهم مجموعة من الناس مهمّتهم التواجـد في مكـة قبل وصول الحجـاج وكل واحد منهم أو أكـثر يمثلون فئـة و جـنسـيّة معـيّنة من الحجـاج يقومون بالتعـاون مع مطوفي الجنسية على ترتيب إجراءات اخـتيار واسـتئجـار أماكن سـكنهم قبل وصول الحجـاج .. ثم متابعـة تجهيزات المخـيّمات في المشـاعر ..

 

حـتى نكـون أكـثر شـموليّة علينـا أن نأخـذ الصُـور لمشـاهد مخـتلفة مرتبطـة بواقع الحـياة في موسـم الحج :

 

المشـهد الأوّل :

الإســتعدادات الأُسَـريّة :

إن دخـول موسـم الحج زمـنيـاً يعـني دخـولـه معـنوياً إلى كل بيتٍ في مكـة ..

موسـم الحج هـو نِسْـمـَة رياح مباركـة تهُـب على بلـد البيت الحـرام فتُفتح لهـا نوافـذ و أبواب القـلوب قبل نـوافـذ و أبواب البيوت فيسـتنشـق عبيرهـا كل صـغير وكـبير ممن عـاش ذلك الزمـان ..

من أكـرمـه اللّه ببيتٍ واسـع متعـدد الطوابق أو الحجـرات .. فإن أوّل ما يبدأ به الفرد هو تأجـير جميع الغرف والأدوار للحجـاج والإكـتفاء بغرف المبيت ( غرف السـطح) أو أكبر غرفة والتحـاشـر فيهـا لوقت محـدود برحـابة صـدر وتقـبّل الأمر بأريحـيّة تنبع من روحـانيّة شرف الخدمة بصـرف النظر عن المردود المادي من تأجـير المكـان ..

ونظـراً للظرف الزمـاني لموسـم الحـج وكـثرة وفود الرحـمـن .. و إنشـغال أرباب الأسـر في خـدمة ضيوف الرحـمن كلٌ في مجـال تخصّصـه ( البائع في متجـره .. والمطوّف بين مكـتبه و مخـيمه .. والعمـدة في مركـازه يتابع مجريات الأحداث .. و العشـّي في مطـبخـه .. وهكـذا ) ..

لذا فإن زيادة الطلـب على وسـائل المعـيشـة من المواد الغـذائية ومتطلبات الحـياة كـوّن لدى الأسـر المكـيّة عـادات وأسـاليب تموينية تجهـيزية وتخـزينيّة ..

نجـد أن ربّـات البيـوت يبدأن في تجهـيز صـواني المعمـول والغـريّبـة وإرسـالهـا إلى الفـرّان لخبزهـا وطهيهـا مقابل مبالغ معروفة متفق عليهـا كمـا أنهـم يشـترون الشـابورة من الأفران وتخزينهـا مع المعمول والغـريّبـة في البيت لتكـون و جـباتهم الخفيفـة الدائمـة أيّـام الحج .. كمـا أن من المعـروف أن أكـثر البيوت في مكـة ( كلّ على قدر إمكـانيّاته ) يوجد بهـا ثلاجـات صندوقية خشـبية أو معـدنية ذات بطـانة داخلية محشـية بالقش أو نشـارة الخشـب ولهـا غطـاء يضـعون فيهـا قوالب الثلج والتي كانت تشـترى من مصـنع الكعكي أو الخـياط .. وهـذه الثلاجـات هي تشـبه الحـافظـات الموجـودة حـالياً ..

وكـذلك من الناحـية الأسـريّة .. فإن الأسـر المكـيّة في معظمهـا تجعل من يوم عـرفـة يوم تجـمّع كبير مكانه بيت اللّه الحـرام ويصـادف صـوم الكـثير من الناس فيجـتمعون بعـد صلاة العصر في أروقة وسـاحـات الحرم التي غـادرها الحجـاج إلى عرفـة للوقوف بهـا .. وفي مسـاء يوم عرفة يوم التاسـع من ذي الحجـة ( ليلـة الخـُـلّـيف ) يعـمّ شـوارع وأحـياء مكـة سـكون رهـيب لا يقطعـه إلا صوت صـفارت العسّة و لا يُنهـيه إلا إحـتفال بعض النسـوة بعمـل مايُسـمّى ( القـيس ) وكان له أهـازيج وأناشـيد مخصـوصـة تضـفي على أنفسـهن بهجـة وسـعادة بالزمان والمكـان يشـاركهن في ذك أطفـالهن مـن الأولاد والبنات بألعـابهم البريئـة من حَـجْـلة وَ بـِـرْبـِـرْ وَ شـِـرْعـت وَ بَـرَجـون .. إلخ .. تحـت أنوار الأتاريك ( مصابيح الكيروسين) التي كانت تُضئ الأزقـّـة والشوارع الخارجية والداخلية للحـارات .. ( وكان المسئول والمتعهد بهـا إسـمه أبو الريش) .. أمن وأمـان وطـهـارة قـلب وجـِـنـان .. وعـذوبة ألفـاظ اللسـان ..

 

المشـهد الثاني :

الاســتعدادات التنظيميّة للأفـراد :

إن هـذا المشـهد ما هو إلاّ رؤية للمشـهد الأوّل من زاوية أخـرى .. أي زاوية الرجـل .. زاوية الآباء والأبنـاء والإخـوة الشـباب ..

فكـما كان دور الأنثى في البيت ينحصـر بقـيامهـا بالتجـهيزات التموينية المعيشـية وكل ما يتعلق براحـتهـا وراحة الزوج والإخـوة والأبنـاء الشـباب الذين يعيشـون أسـرة واحـدة تحت سـقف واحـد و يأكلون على سُـفرة واحـدة ..

وكـما سـبق التطـرّق إليـه آنفـاً بأن مـا مـن رجـل أو ولـد إلاّ ولـه دور في خـدمـة الحجـيج ..

الموظـف حتى وإن كان في إدارته فلابد أن يكون هو بنفسـه أو إخـوته أو أبنـاءه لهم علاقة مباشـرة بشرف الخـدمـة .. فمنهم المطـوّف و مـنهم الزمـزمـي .. و مـنهـم الســقـّـا ومنهـم سـائق التكسـي أو الأتوبيس أو الكُمْـسَـاري .. ومنهم الجـزّار ومنهم صـاحب المطـعم و العشـّي وصـاحب الدكـان للأرزاق والكمـاليات والهـدايا كالسـُّـبح والسـجـاجـيد وكل ما يُذكـّر الحـاج بمكـة ..

وكـان كـثير من الشـباب يفكـرون ثم يبدأون بتجـهـيز أنفسـهم و مـا يريدون القيام به قبل دخول الموسـم و غـالبا مـا يكـون لدى البعض الكـثير من التجهيزات والأدوات الأسـاسـية مخـزّنة ومحـفوظـة لديهم لا يقـربونهـا إلا في الحج وحـتى الحـج الآخر .. مثل الخـيام و الأشـرعـة و الأخـشـاب والقـدور والصـحون و أواني الطـهـي و ثلاّجـات البارد والثلج و عـدة القهـوة مـن براريد وفنـاجـين ومناقـل وكراسي وطـاولات و فوانيس و أتـاريك ..

فمن كانت لديه الهمّـة والقـدرة والصـحـبة المشـجـعة الجـسـورة فيبدأو ببنـاء دكـاكين و مطـاعم و مقاهي مؤقـتة من الأخشـاب والأشـرعة في عرفـة أو مـنى أو كـليهمـا بسـرعـة وطـريقـة فنيّة وإقتصـاديّة تؤدي الغرض المنشـود .. حتى لا يدخـل يوم التروية ( الثامن من ذي الحجـة ) إلا وكل واحـد في مكـانه وقـد قـام بتجهيز كل متطـلبات عملـه ..

حتى صـغار الأولاد الذين يُسـتبعدون من المهمّـات الشـاقـة ينالهم شـرف الخـدمـة ..

يقـوم الأولاد متحـدين ومتفقين في مجموعـات بالمشـاركـة في عمل البسـطات .. وهي عبارة عـن طـاولـة ذات أبعـاد معـيّنة توضـع على ركـن الزقـاق المُطـل على الشـارع الذي يكـثر عـبور ومرور الحجـاج في طـريق الذهـاب والإياب للحرم الشـريف أو إلى التنعيم ( أقـرب المواقيت لأداء العمرة ) وتوضـع البسـطة في مكـان لا يُضـايق مرور الحجـاج .. وتقـدّم عليهـا المشـروبات الباردة من مـاء و شـربيت و كاكولا و ليمون .. يسـاهم في إعـداده الأمهـات والأخـوات والأولاد أنفسـهم .. أو تقـديم بعض الأكـلات الخـفيفـة من بليلـة أو كُـبيبـة أو سـمبوسـة .. إلخ

ولا تخـلوا بعض البسـطـات من بعض الكماليات كالشـمسـيّات والأحـذية و بعض الشـوكلاتات والأمور المغـرية الصـغيرة التي تجـذب أطـفال الحجـاج أو الحجـاج أنفسـهم فيشـترونهـا فرحـين مسـتبشرين ..

 

المشـهد الثالث :

هـكـذا حـجـّـيت :

في حـج عـام 1388هـ الموافـق عـام 1968م إتفـقـت مع مجـموعـة من الرجـال والشـباب على أداء الحـج .. وشــجعـنا وجـود بعـض الضـيوف الذي أتـوْ من الرياض وغـيرهـا إلى بيت الوالد بمكّـة ( وهـذا مـا يحـصل وللّه الحمد في حج كل عـام ) وكـان أكـثر الضـيوف قـادمين بدون عـوائل فقررنا و نوينـا الحج مع بعضنا البعض ..

إنطلقنا من بيتنا صـباح يوم الوقفـة التاسـع من ذي الحجّـة إلى عـرفـات وحملنـا معـنا ماخف حمله من أقل المسـتلزمـات التي لا تزيد عن عشرة كيلوجرامات أو تقل .. وبدأنا في السـير على الأقـدام حتى وجـدنا أوّل أتوبيس ( حافلة ) متجهـة إلى عـرفـات و ركـب بعضنا في الداخـل والبعض فضـّل الركـوب على السـطح

 

 
 
 
 

وانطلقـنـا إلى عـرفـات اللّه ووصـلناها قبل الظهـر .. ولم يكـن أمـامنـا إلاّ التوجـّـه إلى أحـد مخـيّمـات شـركـات نقل الحجـاج وهي ( شـركة التوفيق و أصحابهـا كانوا صـدقة و سراج كعكي رحمهما اللّه ) لأن والدي كـان يعمل بهـا .. وكـان لديهـم مخـيّم كـبير به الكـثير من الخـيام والمسـاحـات الفارغـة لإسـتقبال وصـيانة الأتوبيسـات التي تتعطـّل وإراحـة ركـّـابهـا من الحجـاج لإركـابهم الأتوبيسـات بعـد إصـلاحهـا أو تبديلهـا ..

وبعـد أداء صـلاة الظهر و العصـر قصـراً وجمعـاً وتنـاول الغـداء .. توجّهـنا إلى جبل الرحمـة وبقـينـا هـناك إلى قـرب وقت المغـرب إسـتعداداً للنفرة إلى مزدلفـة والتي ذهـبنـا إليهـا سـيراً على الأقـدام وبقـينـا حـت أضـواء الأتاريك حتى منتصف الليل وجمعنا الحصـى ثم توجـهنا على الأقـدام إلى منى ورمينا الجـمرة ثم واصلنا السـير إلى مكـة ..

وبقـينـا في بيتنـا بمكـة إلى بعد الظهـر ثم ذهـبنـا إلى مـنى لنبقـى فيهـا إلى مـا بعـد منتصـف اللّيل و هـكـذا حـتى يوم النفـرة من مـنى بنهـاية أداءنا لشـعائر الحج ..

 

إن ما كان ملفـتاً للنظـر و هو سـمة ذلك الزمـان بدائيـة و بسـاطة الوسـائل والسـبُل وبركة الرزق برقم محـدوديّة مصـادرهـا .. كمـا أنك تجـد العـشــرات من الحجـّـاج الذين يتواجـدون عـند مداخـل المخـيّمـات و من كل الجـنسـيات يلحّـون علينا بالدعـوة للجـلوس وتناول المـاء والطعـام كل منهـم يبغي الأجـر ويتسـابق إليه ..

 

 
 
 
 
 

برغـم ما يُسـمى الآن بالفوضى والعشـوائية والإرتجـالية في كـثير من أمور التنظيم والتجهـيز والتخطيط في ذلك الوقـت إلاّ أن المعـانـاة والتعـب الذي كـان يلقـاه الحـاج كـان لـه روحـانيّة وقـبول لدى النفس المؤمـنة بصـعوبة الإســتطاعـة التي يُبنى عـليهـا شـرطُ أداء الفريضـة ..

البســاطـة في كـل شـئ في العـرض وفي البيع و في الشـراء و في الأداء .. برغـم التعـب والعـنــاء ..