بسم اللّه الرحمن الرحيم


الســلام عليكـم ..

كـيف الحــال ..

هيّـا جـيتكـم اليـوم بحكـاية جـديدة  ..
 
طـيّب أبغـاكم قي البداية تذكـروا اللّـه وتصـلـّوا عـالنبي ..
 
خلـّونا نشـوف محمـود ايش عـنـدو اليـوم من حكـاوي زمـان أوّل اللّي تحـوّل  ..
 
حكاية اليوم تدور في فترة زمنية ســبقت دخول محمود المدرسة الحكوميّة الإبتدائية وكانت في الكتاتيب وبيوت التعليم الخاص وهي وإن كانت بمثابة الروضة والتمهـيدي إلاّ إن التوسّـع والتركيز في التدريس والتعليم يسـانده حرص ولهفة الكثير من الأباء الأميين لتعويض ما فقدوه من التعليم ( لظروف معيشيّة ) فيحقق لهم الأبنـاء مافاتهم  ..
 
فيعيش الطالب بين ثالوث اللوح والعصا والفلـَـكـة ( الفلقـة )  وجميعهـا تعـبّر عن جـدّية التعليم القسـري الذي يجني ثماره الطالب علمـاً وفهمـا وأدبـاً  ..
 
أدخل أبو محمود إبنه أوّل مرة إلى الكتـّاب وعمره أربعة أعـوام  ،،  كم عانى فيهـا هو وأمّـه التي كانت تأتي إلى الكتّـاب لتتفقـد الأحوال الداخليّـة لمحمود خوفاً من أن يكون أصابهـا البلل  أو أصـابه الملل  ..
 
ومع مرور الأيّـام يعـتاد محمود  ويتأقلم مع هذا الوضـع وهذا الأمر الواقع  ..
 
وبعـد أن صار يفكّ الحـرف  ويكتب على اللوح بعض الكلمـات ويعرف يعـد الأرقام ويكتبها ،، أصبح ضروري نقله إلى مرحلـة متقـدّمـة لأنه ماشـاء اللّه خش في الخمسـة سنوات  ..
 
وهنـا تبدأ حكايتنـا مع محمـود  ..
 
كان في مكـة مدرّس إسمه الشيخ عوض باسـودان ( رحمه اللّه ) .. كان  يسكن في شارع المنصور خلف الهلال الأحمـر  وحوّل بيته إلى مدرسـة ( كتّـاب ) لتعليم القراء والكتابة وحفظ القرآن الكريم وكتاب الفقـه ( سفينة النجـاة )  ..
 
كان البيت ( الكُـتّـاب ) عبارة عن حوش له سـور مبني من الطوب  يتوسطه باب خشبي وهو المدخل الوحيـد  .. وفي داخل الحوش مجموعة من الصنادق ( غرف مبنية من جريد النخل ومثبت عليها الصفيح وهي جوالين وتنك الزيت الفارغة يزال أعلاها وأسفلها وتقص طولياً ثم تُـفرَد لتصبح على شـكل ألواح مستطيلة تُثبت بالمسـامير على جريد النخل ويوضع بينهمـا الخصف أو الحصير المصنوع أيضاً من خوص النخل وتصبح في شكلها النهائي على شـكل قواطـع مسـتطيلة ومربعة الشكل لجوانب الصندقة ويكون بها الأبواب والشبابيك ،، أو مثلثة الشكل لسـقف الصندقة وبالمقاسـات المطلوبة حاسب الإمكانيات ونوع الإسـتخدام )  ..
         
   
     
   
   
 
         
وكان في الكتّـاب صندقتين داخلية للسـكن وصندقـة للمطبخ  ثم على الشمال هناك صندقـة كبيرة وهي الخاصة بالتدريس وبجوارها صندقة ملحقـة  ..  وكانت إبنة الشيخ باسودان هي من تقوم بطبخ وتجهيز التلبـيـبـة والغداء للطلاب لأن دوام الدراسـة يبدأ من الصباح الباكر إلى بعـد صـلاة العصر يومياً ما عدا يوم الجمعة  ..
 
وكان أبو محمود أو عمّـه يقوم بتوصيل محمود مع بعض رفاقه الأقربين يومياً  ..  ولكن العـودة تكـون أحياناً كعـّابي ( جلنكـاكي ) ..  يعني تخيّـلوا المسـافة من شـارع منصور إلى ريع الكحل عن طريق القشلة وجرول ثم إلى جهة الحلقة وشارع البياري ليصلوا إلى ريع الكحل  ..
 
وفي أحد أيّـام العودة الكعّـابية  ..  تحرك موكب مجموعـة محمود يرافقـهم بعض الطلاب من سكن جرول  في همة ونشاط بعد يوم حافل بالدراسة والتسميع تخلـّلتـه سـاعات شرب حليب الغنم الطازج المبهـرمن البكـْرَج  ( إبريق خاص بالحليب ) ومعه تيمس بخاري  .. وغـداء شهي من الرز والتونـة عليه بصـلةٌ وليمونـة تتناتشـه أيدٍ مجـنـونـة  ..
 
مشي الركـب في شـارع المنصور الذي لم يكن مسـفلت بل كان ترابيـاً كلّـه رايح وجـاي لايقسـمه إلاّ رصـيف بشـري على إمتداده من عند تقاطع الهلال الأحمر وحتى مسجد بن حسـن  ..  وكان الإخوة التكارنة ذكوراً وإناثاً يفترشون منتصف الطريق مابين بيع ومابين طبخ وشـوي سـيريه  ( وكلّـه شــغل عالمكشـوف والعالم تمشي وتدردب وتدفس )  ..
 
ومسكين يامحمود يا أبو الورطـات  ..  كان معاهم في شـلـّة الطلاب واحد من أقاربه  ..  وكان أجن من الجن ، لايسلم من لسانه أو يده أحـد  ..  إذا سـوّى لهُ جرْيَـةً إنفلـت كالغزال  ..
 
وكان محمود يحاول الإبتعـاد عنه ولكـن اللّي فيه طبع ما يخـلـّيه  ..  ونادى محمود :  محمود تعـال أقول لك شي !!!
 
ويجيك أبو المحـاميد عند الشقاوي أبو البلاوي  ..  ومامـداه يقـرّب  إلا والشقاوي يقول له : شـوف أنا إيش رايح أسوّي  ..  ويقوم المؤذي  ويقترب من إحـد التكرونيّـات وبيدهـا سيخ أمامهـا منقل فيه جمـر تشـوي عليه بعض التناتيف اللحميّـة  ..  وبسـرعـة المتمكـّن المتمـرّس ينكش التكرونية في مؤخرة رقبتهـا ومع النكشـة بعض الكلام الهوساوي والذي يعرفه محمود ( بحكم الزمالة والعشرة والمكان )  ..
 
وانطلق الشـقاوي يسـابق الريح ومن وراءه كان يجري محمـود يندب حظـّه ومن خلفهم إنطلقت التكرونية لايوقفها حجر ولا بشر وفي يدها السـيخ وهي تهدر كالرعد  وكان محمود يشعر أنه يجري على ورا  ..  وصـار يسـمع همهمـة التكرونية خلفه  ..  وعلم أن لافكــاك  ..
     
   
     
فالتفت للخلف ثم انهـار على ركبتيـه يطلق عويلاً وتوسـلاً يقطـّع قلوب الصخر  ..  ووقفت التكرونيـة عند رأســه وهو يصـيح  :  يا حجـّـة واللـه مو أنــا  ..
 
وتجلسُ الحجـة وتمسـد على شـعره وتطبطـب عليه لتهـدّي من روعـه وهو منهارٌ يبحلق في السـيخ  ..  وهي تقول له : أيْـوا إنـا يعرف مو إنتـا  ..  إنتا طيّبـة ماشــاء اللّه عليكـا  ..  هـادا ولد تاني شــيطان  ..
 
يعني كل هـذاك الجـري وقطـْع النفس ماكان له داعـي  ..
 
كان من الأوّل وقف مكانه وقال : (  ..  ياحجـّـة واللّه مـوو أنــا  ..  )  ..